ابن عربي
118
فصوص الحكم
السرور في بشرتهم كما أثر السواد في بشرة الأشقياء . ولهذا قال في الفريقين بالبشرى ، أي يقول لهم قولًا يؤثر في بشرتهم فيعدل بها إِلى لون لم تكن البشرة تتصف به قبل هذا . فقال في حق السعداء « يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْه ورِضْوانٍ » وقال في حق الأشقياء « فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » فأثر في بشرة كل طائفة ما حصل في نفوسهم من أثر هذا الكلام . فما ظهر عليهم في ظاهرهم إِلا حكم ما استقر في بواطنهم من المفهوم . فما أثر فيهم سواهم كما لم يكن التكوين إِلا منهم . * ( فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) * . فمن فهم هذه الحكمة وقررها في نفسه وجعلها مشهودة له ( 1 ) أراح نفسه من التعلق بغيره وعلم أنه لا يؤتى عليه بخير ولا بشر إِلا منه . وأعني بالخير ما يوافق ( 2 ) غرضه ويلائم طبعه ومزاجه ، وأعني بالشر ما ( 3 ) لا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ولا ( 4 ) مزاجه . ويقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم وإِن لم يعتذروا ، ويعلم أنه منه كان كل ما هو فيه كما ذكرناه أولًا في أن العلم تابع للمعلوم ، فيقول لنفسه إِذا جاءه ما لا يوافق غرضه : يداك أوْكَتَا وفوك نفخ . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
--> ( 1 ) ساقطة في ن ( 2 ) ساقطة في ا ( 3 ) ساقطة في ا ( 4 ) ن : + ولا يلائم